عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

83

أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور

قلت : في المسجد ، فلم يلبث أن جاء فقالت : يا عمي ! رأيت أبي سفيان في النوم ، فقال : جزى اللّه أخي أيوب عني خيرا ، فإنه يزورني كثيرا ، وقد كان عندي اليوم ، فقال أيوب : نعم ، حضرت جنازة اليوم ، فذهبت إلى قبره . حدّثنا محمد بن الحسين ، حدّثنا يحيى بن أبي بكر ، حدّثني الفضل بن موفق - ابن خال سفيان بن عيينة - ، قال : لمّا مات أبي جزعت عليه جزعا شديدا ، فكنت آتي قبره كل يوم ، ثمّ إني قصّرت من ذلك ما شاء اللّه ، ثم إني أتيته يوما ، فبينما أنا جالس عند القبر غلبتني عيناي فنمت ، فرأيت كأن قبر أبي انفجر ، وكأنه قاعد في قبره ، متوشح بأكفانه ، عليه سحنة الموتى . قال : فبكيت لما رأيته ، فقال : يا بني ! ما أبطأ بك عني ؟ قال : قلت : وإنك لتعلم بمجيئي ؟ قال لي : ما جئت من مرة إلّا علمتها ، وقد كنت تأتيني فأسرّ بك ويسر من حولي بدعائك . قال : فكنت آتيه بعد كثيرا . قال : وحدّثني محمد بن بسطام ، حدّثني عثمان بن سودة الطفاوي - وكانت أمه من العابدات ، وكان يقال لها : راهبة - ، فماتت ، فكنت آتيها كل جمعة ، فأدعو لها وأستغفر لها ولأهل القبور ، قال : فرأيتها ذات ليلة في منامي ، فقلت لها : يا أماه ! كيف أنت ؟ فقالت : يا بنيّ ! إن للموت كربة شديدة ، وإنا بحمد اللّه تعالى لفي برزخ محمود ، يفرش فيه الريحان ، ويوسّد فيه السندس والإستبرق إلى يوم النشور . فقلت : ألك حاجة ، فقالت : نعم ، قلت : وما هي ؟ قالت : لا تدع ما كنت تصنع من زيارتنا ، والدعاء لنا ، فإني لأبشّر بمجيئك يوم الجمعة إذا أقبلت من أهلك ، فيقال : يا راهبة ! هذا ابنك قد أقبل ، فأسرّ بذلك ، ويسرّ من حولي من الأموات . وقال الحافظ أبو الطاهر السلفي : سمعت أبا البركات عبد الواحد بن عبد الرحمن بن غلّاب السوسي ، بالإسكندرية ، يقول : يا بنتي ! إذا جئتيني زائرة ، فاقعدي عند قبري ساعة ، أتملأّ من النظر إليك ، ثم ترحّمي عليّ ، فإذا ترحّمت عليّ صارت الرحمة بيني وبينك كالحجاب ثم شغلتني عنك . قلت : وأنبأني علي بن عبد الصمد بن أحمد البغدادي ، عن أبيه ، قال : أخبرني قسطنطين بن عبد اللّه الرومي ، قال : سمعت الأسد بن موسى ، قال : كان لي صديق فمات ، فرأيته في النوم وهو يقول لي : سبحان اللّه ، جئت إلى قبر فلان صديقك قرأت عنده وترحمت عليه ، وأنا ما جئت إليّ ولا قربتني ، قلت له : وما يدريك ؟ قال : لما جئت إلى قبر فلان صديقك رأيتك . قلت : كيف رأيتني والتراب عليك ؟ قال : أما رأيت الماء إذا كان في الزجاج أما يتبين ؟ قال : كذلك نحن نرى من يزورنا .